ابن كثير

320

البداية والنهاية

موجك ، والأعمال الصالحة تجارتك التي ترجو ربحها ، والنافلة هي هديتك التي ترجو بها كرامتك ، والحرص عليها يسيرها ويزجيها ، ورد النفس عن هواها مراسيها ، والموت ساحلها ، والله ملكها وإليه مصيرها . وأحب التجار إلى الله وأفضلهم وأقربهم منه أكثرهم بضاعة وأصفاهم نية ، وأخلصهم هدية . وأبغضهم إليه أقلهم بضاعة ، وأردأهم هدية ، وأخبثهم طوية ، فكلما حسنت تجارتك ازداد ربحك ، وكلما خلصت هديتك ، تكرم . وفي رواية عنه أنه قال : قال لقمان لابنه : يا بني اتخذ طاعة الله بضاعة تأتك الأرباح من كل مكان ، واجعل سفينتك تقوى الله ، وحشوها التوكل على الله ، وشراعها الايمان بالله ، وبحرك العلم النافع والعمل الصالح لعلك أن تنجو ، وما أراك بناج . وقال عبد الله بن المبارك عن رباح بن زيد عن رجل قال : إن للعلم طغيانا كطغيان المال . وقال الطبراني : حدثنا عبيد بن محمد الصنعاني ، حدثنا أبو قدامة همام بن مسلمة بن عقبة ، حدثنا غوث بن جابر ، حدثنا عقيل بن منبه قال : سمعت عمي وهب بن منبه يقول : الاجر من الله عز وجل معروض ، ولكن لا يستوجبه من لا يعمل ، ولا يجده من لا يبتغيه ، ولا يبصره من لا ينظر إليه ، وطاعة الله قريبة ممن يرغب فيها ، بعيدة ممن زهد فيها ، ومن يحرص عليها يصل إليها ، ومن لا يحبها لا يجدها ، لا تسبق من سعى إليها ، ولا يدركها من أبطأ عنها ، وطاعة الله تشرف من أكرمها ، وتهين من أضاعها ، وكتاب الله يدل عليها ، والايمان بالله يحض عليها . وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن خالد ، حدثنا عمر بن عبد الرحمن ، سمعت وهب بن منبه يقول قال داود عليه السلام : يا رب أي عبادك أحب إليك ؟ قال : مؤمن حسن الصورة حسن العمل . قال : يا رب أي عبادك أبغض إليك ؟ قال : كافر حسن الصورة كفر أو شكر ، هذان . وفي رواية ذكرها أحمد بن حنبل : أي عبادك أبغض إليك ؟ قال : عبد استخارني في أمر فخرت له فلم يرض به . وقال إبراهيم بن الجنيد : حدثني إبراهيم بن سعيد ، عن عبد المنعم بن إدريس ، حدثنا عبد الصمد بن معقل ، عن وهب بن منبه قال : كان سائح يعبد الله تعالى ، فجاءه إبليس أو شيطان فتمثل بانسان فجعل يريه أنه يعبد الله تعالى ، وجعل يزيد عليه في العبادة ، فأحبه ذلك السائح لما رأى من اجتهاده وعبادته ، فقال له الشيطان - والسائح في مصلاه - : لو دخلنا إلى المدينة فخالطنا الناس وصبرنا على أذاهم وأمرنا ونهينا ، كان أعظم لأجرنا ، فأجابه السائح إلى ذلك ، فلما أخرج السائح إحدى رجليه من باب مكانه لينطلق معه ، هتف به هاتف فقال : إن هذا شيطان أراد أن يفتنك . فقال السائح . رجل خرجت في معصية الله وطاعة الشيطان لا تدخل معي ، فما حولها من موضعها ذلك حتى فارق الدنيا ، فأنزل الله تعالى ذكره في بعض كتبه فقال : وذو الرجل . وقال وهب : أتى رجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحم الخنزير ،